لم ينقذها من هذا الموقف العصيب سوى صديقتها الحميمة قصة التي تعرف جميع بنات قلبها وتكتمها، كما تساعدها في تحقيق جميع رغباتها وأمانيها، حينما سمعت الدكتورة قصة جهارة الصوت المنبعث من ماريا ثقيلة الفهم ثقيلة الظل ثقيلة الروح، شعرت بالكارثة المحتومة، فبادرت لتخليص الوضع، انطلقت سريعًا باتجاه ماريا لاستعادة الهاتف من بين يديها، ثم أخذت بيد صديقتها ورفيقة دربها وذهبتا بعيدًا، ولكن لاحظ غالبية الحضور التغيير المفاجئ الذي طرأ على رواية، فمن في الكلية بأسرها لا يعرف رواية، والتي لم تشتهر لتميز اسمها أو لجمالها، فقد كانت صغيرة الجسم ضعيفة البنية، قوامها طويل نحيف، وإن كان هذا أكسبها ملاحة وجاذبية، رواية، على غير مرغوبات جنسها، دائمًا ما تسحر الناس برشاقتها، ورقتها، ودماثة خلقها، ورجاحة عقلها، واتساع ثقافاتها، وفكاهة لسانها، وبلاغة كلمتها، وفصاحة عبارتها، كما كانت حنونة وهادئة.        

مكثت رواية منذ عودتها من الجامعة في غرفتها جالسة القرفصاء على سريرها بينما على يمنيها مرآة، فتلقي إليها من حين لآخر نظرات زائغة، وتحدثها بعين تطفح كلمات مبعثرة من كثرة ما تحويه بين جفونها، بينما شفتيها ساكنة ولسانها صامت، أكثر ما يستحوذ على تفكيرها هو رد فعل ماريا وما الذي ستصنعه، فهل ستخبر أباها قسيس الكنيسة؟ أم ستحدث والدتها التي تبغضها لتفوقها على ابنتها، والتي ستجدها فرصة سانحة للتشهير والانتقام منها؟ بعد تفكير عميق في ماضي لا تعرف كيف بدأته، وفي مستقبل لا تعلم كيف سينتهي، حيث سحبت الشموس أشعتها وحلت الأقمار أنورها، قامت إلى المرحاض، وما هي إلا دقائق معدودات حتى عادت لغرفتها فأحكمت غلقها، وحيث قد اقتربت الساعة من جميع أجزائها طرق الباب، فمن سيكون غير والدتها، فهما اثنتان وحيدتان في المنزل لا ثالث لهما، حينما أدركت أنامل والدتها تدق قامت مهرولة، فلملمت السجادة وأخفت الإسدال، ثم فتحت الباب، فدخلت سيدة تعتقد من الوهلة الأولى أنها في أواخر الستينيات أو السبعينيات لكبر معالم وجهها وكثرة التجاعيد به، ولكنها في الحقيقة ما زالت في عمرها الرابع، لعب الزمان بها وقلبتها الأيام والليالي، ذات بشرة قمحية، وقور، هادئة الطباع، تزين عنقها بسلسلة فضية يتوسطها صليب متوسط الحجم، دخلت أم إسحاق غرفة ابنتها، فطبعت قبلة خفيفة على جبينها، ثم بدأت في أسئلتها المعتادة عن سبب مكوثها في الغرفة وحيدة، وكالعادة تهربت رواية بكلام مرسل، دائمًا لا تقتنع الأم به، وغالبًا لا تفلح البنت في إتقانه، فتبادلتا أطراف الحديث من هنا وهناك، عن الكلية تارة، وعن الحياة العامة تارة أخرى، إلى أن حان وقت سؤالها عن الرجل الوحيد بحياتهن فقالت الأم:

  • متى إجازة الباشمهندس؟

قبل أن تحرك رواية شفتيها للإجابة دق جرس الباب، فتابعت الأم مبتسمة:

  • سأرى من الطارق، ثم أني آتية لمعرفة أخبار مهندسنا العاشق.

ذهبت الأم باتجاه الباب، أما رواية فتابعتها مرتعشة بخطى خفيفة مهزوزة، وقلبها يرتعد مرتجفًا يدق دقًا خشية أن تكون الزائرة ماريا أو والدتها، وعندما فتحت الأم الباب ظهر ما لم يخطر على بالهما.