أمام مقام الخضر عليه السلام، وفي إحدى بقاع جنوب شرق تركيا التي تعد جامعة الثقافات وحاوية الديانات وحاضنة الأعراق ففيها السرياني والأرمني والكردي والعربي والتركي والكلداني، وتحت هذه السماء الصافية العانقة للشمس المشرقة، يستعلم مؤمن من رواية عن رأيها وتقييمها لحال المدينة الصفراء، فتجيبه بلغة مفعمة بالدهشة والشموخ:

  • يا الله، حقًا إنها مدينة عريقة شامخة، لقد أعجبني كثيرًا معمارها الرائع الذي يدل مما لا شك فيه على قدمها وتأصلها عبر التاريخ، كدير الزعفران، والمدرسة القاسمية، ومدرسة السلطان عيسى، وجامع الشيخ جابوك، وكنيسة قرقلار، وأطلال دارا.
  • هذا حقيقي فهي المدينة الثالثة بعد القدس الفلسطينية، وفينيسيا الإيطالية التي تعد آثارها محفوظة ومصونة بشكل جيد للغاية حتى الآن.
  • هيا بنا الآن لمشاهدة شيء أجمل وأروع، أعتقد أنه سيبهرك أكثر.
  • نحن هنا منذ يومين ولم أذهب مع الوفد إلى الكنيسة ولو لمرة واحدة.

فأجابها بلغة ودية مقنعة:

  • كما ترين غالبية السكان هنا يتكلمون العربية جيدًا، ففي هذه المدينة تنصهر جميع الأجناس والطوائف الدينية، ورئيس الوفد عندما وجد غالبية قساوسة الكنيسة وممثليها يتحدثون العربية أعفانا من هذه المؤتمرات المملة، وعند الحاجة إلينا سيدعونا على الفور.

فقالت بلهجتها العفوية:

  • الحمد لله فهذه المؤتمرات طويلة ولا طائل منها.
  • إذن هيا بنا نذهب لمعلم ما، ثم نتناول الغداء.

فقالت وقد ظهر عليها بعض الارتياح:

  • هيا بنا، ولكن أخبرني ونحن نسير في شوارع هذه المدينة العتيقة عن سبب تسميتها بماردين.
  • ماردين مشتق من اسم مارية وكانت ابنة حاكم دارا التي رأيت أطلالها أمس، وكانت هذه الابنة مريضة جدًا، فنصح الحكماء بأن تذهب لأفضل مكان يتمتع بهواء نقي، فأرسلها أباها إلى هذا الجبل الذي تقام عليه المدينة الآن، فسميت المدينة من وقتها باسم ماردين.

أشار مؤمن بيده قائلًا:

  • الآن انظري ما رأيك في هذا البيت؟
  • يا الله ما هذا الرونق والبهاء.
  • دعينا نقترب منه أكثر.
  • أشعر هذا المنزل قد رأيته من قبل.
  • تذكري جيدًا.
  • نعم قد رأيته ولكن لا أتذكر كيف وأين؟
  • هذا هو المنزل الذي صور فيه مسلسل سيلا.
  • يا إلهي نعم تذكرت للتو، هذا المنزل نزلت فيه البطلة سيلا كعروس، إنه حقًا مدهش للغاية!

فتبسم مؤمن قليلًا ثم قال متهكمًا لحد ما:

  • العربيات دائمًا يرون المسلسل التركي ممتع ومبهج وفائق للخيال، فما بالك حينما يرون أماكن التصوير في الطبيعة فمن المؤكد أنه سيكون مدهش خلاب.

فهزقت وقالت مؤمنة على قوله:

  • حقًا إنه لشيء آسر أخاذ رؤية أماكن المسلسلات التركية على الطبيعة، ولكن الساحر الفاتن حقًا هو رؤية أبطاله وخاصة الرجال منهم.

فهأهأ مؤمن قائلًا:

  • هيا بنا لنتناول الغداء، ثم نذهب للوفد في كنيسة الأربعين حتى نحلل النقود التي سنأخذها.

تماشوا معًا في أزقة وشوارع ماردين العتيقة، يشرح لها مؤمن العلامات الثقافية البارزة في المدينة والأصناف التي تتميز بها، وأهم ما لفت نظرها هو الصابون الطبيعي ومسبحة كهرمان، فهذا الصابون لم تصادفه من قبل، فهو مصنع من مواد خام مباشرة، أصنافه عديدة، أشكاله متباينة، أم مسبحة كهرمان فهي مميزة ومتناسقة لأنها مكونة من حبات كهرمان التي تزرع في هذه المدينة، فانتقت تسع مسبحات، وقبضت عليهم كفها الأيسر، وأمسكت بيدها الأخرى عاشرة تضعها مع المقبوض عليهم تارة وتعيدها لموضعها تارة أخرى، فهي في حيرة من أمرها، أتبتاع من أجله واحدة لأنه ما زال حي في قلبها، أم لا تتوهم خلوده حتى تنساه، ولكن كيف لها أن تنساه؟! فقررت أن تشتري العشر، وأثناء كل هذا هي لا تدرك بأن مؤمن يقف لها بالمرصاد.