تحت شمس أفريقيا الحارقة، وفي جوف ظلال أشجار القرنفل، تقف رواية مرتعشة قليلًا على شاطئ زنجبار وبجانبها ألماسة تطالع السواحل وتتأمل الجبال وتشاهد التلال، بعد برهة من التدبر والتبصر أول ما نطقت به رواية:

  • أحس بشمس أفريقية تكاد أن تحرق جلدي، ولكن أشعر بهواء أليف يلاطفني ويداعب خصلاتي ويلامس خدي ويخترق صدري.

نظرت ألماسة بعين منكسرة على الأطلال مترامية الأطراف من قلاع وقصور ومنازل ودور، واستدارت بجسدها نحو الساحل الممتد أمامها، وأنشدت كلمات خميس السلطي بصوت حنون يملئه شجون:

فوح الحضارة مجد تجلى

ورقصة الموت للعشق تنسى

نور تلاء جيلًا فجيلًا تاريخ يهدى

زنجبار رحلة للناس تحكى

هذه السواحل تشهد أن

كانت وكنا قمرًا وفجرا

ثم تابعت وما زال بصرها عالق بالساحل:

  • وهي بالفعل كذلك، فهي عربية أكثر منها أفريقية، زنجبار عاصمة الإمبراطورية العمانية، وأندلس آخر مفقود.

فاندهشت رواية وسألت:

  • عاصمة عُمان؟!
  • نعم كانت عاصمة الدولة العمانية، منذ أن انتقل إليها السلطان العماني سعيد البوسعيدي لأول مرة عام 1828م فتن بها مما جعله يوافق على نقل العاصمة من مسقط لزنجبار، وفي عام 1832م تُوجت زنجبار رسميًا كعاصمة لمملكة عمان العربية، فهي منذ القرن الأول الهجري أرضًا مسلمة، أول من سكنها ليس أفارقة، إنما هي قبائل شيراز الفارسية، ثم توافد عليها تجار العرب اليمنيون والعمانيون في عصر صدر الإسلام، ومن ثم حكمها العرب المسلمون قرابة ألف عام إلى أن ضمت ظلمًا وقسرًا على يد كرومي مع منطقة تنجانيقا بقيادة القسيس نيريري عام 1964م بعد مذبحة راح ضحيتها ثلاثة وعشرين ألف أسير مسلم عربي، أشعل النار فيهم أحياء بين خنادق ما زالت قائمة لليوم، ليتم تكوين ما يعرف اليوم بدولة تنزانيا، وهذا الانقلاب المسمى بالثورة زورًا وبهتانًا كان من إحدى الفتن المفتعلة من جانب بريطانيا لخدمة سياستها الخاصة في الساحل الشرقي الأفريقي لإنزال كل أعلام العرب المسلمين، ورفع العلم البريطاني على جميع البلدان والولايات، فبلاد الزنج هذه تتكون من أكثر من سبعين جزيرة منتشرة في المحيط الهندي، ولكن أهمها على الإطلاق جزيرتين فقط هما بيمبا وأنجويا، وغالبًا ما يطلق على أنجويا الجزيرة الأكبر زنجبار وهي التي نحن وقفات بها الآن، كما يطلق على جارتها بيمبا الجزيرة الخضراء.
  • يا الله، لأول مرة أعرف هذا التاريخ الهام من أمتنا، فكم نحن جهلاء بقارتنا السمراء! لقد وجدت في الكهف قبل الرحيل رواية بعيدًا عن الديار بدأت في قرأتها، ولكن لم أفهم الكثير منها، ولكنني الآن تشجعت لقرأتها بعناية أكثر.
  • دع هذا جانبًا الآن، وهيا بنا نتجول قليلًا في هذه الجزيرة، فكم اشتاق لها، كنت أتي مع صديقاتي من لامو لكي نتمتع بها، فلامو قريبة منها ولا نستطيع الذهاب إليها الحين للفتنة التي حدثت من قبل وراحت عائلتي ضحيتها، وإن لم يكن هواؤها وجوها أفضل من لامو، ولكن زنجبار تعد من أفضل عشرة مناطق سياحية في العالم، فكما ترين هي جنة أرضية.

أخذتها ألماسة في جولة سياحية ترفيهية لرؤية ستون تون (المدينة الصخرية)، وأعلمتها بمعالم الجزيرة، كمساجدها الخمسين ومعابدها الهندوسية الست، وكنيستها الإنجيلية والأخرى الكاثوليكية، وأثناء مرورهن بسوق المدينة العريق ابتاعت ألماسة ليسو، وشاح، لعقد كيتينجي على رأس رواية، وهي عمامة أفريقية شعبية، أظهرتها في حلية جديدة كزنجبارية الأصل، زارتا بيت العجائب الذي يعد عجيبًا حقًا، والذي أنشئ عام 1883م كقصر للاحتفالات في عهد السلطان العماني برجش الذي أمر إضاءته بالكهرباء، كما استخدم فيه المصعد الكهربائي لأول مرة في تاريخ أفريقيا، وكان قد أمر السلطان من ذي قبل بإنشاء أول مطبعة في شرق ووسط أفريقيا في عام1880م بعد أن رأى المطبعة لأول مرة بمصر، أكثر ما لفت نظر رواية في هذه المدينة الفريدة الرائعة هي تلك التماثيل الحجرية المنحوتة بدقة لأناس نكثت رؤوسهم وطبقت السلاسل الحديدية حول رقابهم فلما سألت ألماسة عن هذا الشيء قالت:

  • بهذه التماثيل الحجرية التي تقبع أمامك استطاعت بريطانيا العظمى أن تنهي الحكم والوجود العربي في الجزيرة، وإن لم تستطع تسكير الحضور الديني الإسلامي والثقافي العربي، فبريطانيا كعادتها احتلت الجزيرة بطريق غير مباشر معلل بحجج ومبررات مفتعلة، فمن خلال نحاتها العظام نحتت هذه التماثيل الحجرية وأهدتها لزنجبار، ليس حبًا في زنجبار وأهلها السود، ولكن لتلقي في أذهان الزنوج بأنهم ما هم إلا عبيد للعرب، ملقية بتهمة ابتداع تجارة الرقيق على العرب.
  • ولماذا كان العرب يستعبدون الزنوج؟
  • العرب لم تستعبد أحدًا، فتجارة العبيد في أفريقيا آنذاك كانت مشروعة وتعد من أهم التجارات الأفريقية، فهي أزلية ولا شك أنها أبدية، حيث كانت تقام الأسواق العلنية لبيع وشراء العبيد بين طرفي النهار، ولهذا فكيف اشترى العرب العمانيون العبيد، أليس من قادة وشيوخ القبائل الأفريقية؟!
  • لماذا احتلت عمان زنجبار؟
  • لم يدخلها العمانيون من أجل نشر الإسلام كما يزعم البعض، فالدين الإسلامي توغل بالفعل في أعماق زنجبار منذ القرن الأول الهجري عن طريق التجارة والقوافل العربية والهندية المسلمة، فلم يكن هناك داعٍ للوجود العسكري، ولكن زنجبار وقعت تحت الحكم البرتغالي المتعصب وقتًا طويلًا، عانت زنجبار منه كثيرًا، فكتب حاكم زنجبار الأفريقي للسلطان العماني لنجاته ونصرته ضد وحشية البرتغاليين.
  • ولماذا استنجد حاكم أفريقيا بعمان الآسيوية العربية ولم يستجر بالبلاد الأفريقية الزنجية المجاورة؟
  • لأنه على الرغم من الاحتلال الغشيم كانت الجالية العمانية، وهي الجالية الأكبر، ذات نفوذ قوي وفعال في زنجبار.

وقبل أن تسترسل رواية في سؤالها القادم واصلت ألماسة:

  • بالله عليك، دعينا من هذا التاريخ الحزين الكئيب.

فاستجابت رواية وقد ولت بصرها للسماء:

  • نعم التاريخ دائمًا حزين كان عريقًا أو مهينًا، فلا فرق، فالبكاء لا يعيد الأطلال على كل حال.

ثم سرحت كل منهن بخيالها حتى قالت ألماسة:

  • علينا الآن للذهاب لعمي مرجان، صديق والدي رحمه الله، وهو رجل عربي أصيل تجاوز عمره ما يربو المئة عام، وسوف نقيم معه ببيته ببامبي، فبعد مقتل أسرتي أتى لامو وأخذني لأعيش معه حتى تركت زنجبار وسفرت لماردين.

في طريقهم لبامبي سألت رواية في توجس:

  • هل أنت أيضًا على مذهب الإباضية؟
  • نعم، لست وحدي فغالبية زنجبار على مذهب الإباضية، فالمركز الرئيس في عالمنا الحالي للإباضية هو سلطنة عمان، كما أنا سلطان عمان قديمًا كان يسمى إمام مسقط وحاكم زنجبار، ولكن يوجد بعض الشافعية والشيعة والسلفية في زنجبار أيضًا.

أحست ألماسة بأن رواية قد تغير لونها وكأنها قلقت من شيء لاختلاف مذاهبهم فتابعت ضاحكة:

  • لا تقلقي فنحن كلنا مسلمون، وكل له حريته الخاصة في الاعتقاد والممارسة، فلسنا كفارًا ولا نعتبر غيرنا كافرًا.
  • ففي أي شيء تختلف مذاهب أهل السنة والجماعة عن المذهب الإباضي؟
  • نختلف في أمور لا علم لنا بها، ولن نعلم حقيقتها سوى يوم القيامة، يوم الحقيقة المطلقة، أئمة الإباضية يزعمون بأننا لن نرى الله يوم الساعة، وأئمة السنة يزعمون أننا سوف نراه، وكل له دليله الصحيح من الكتاب والسنة، فلماذا لا ننتظر ليوم الحساب حيث كلنا سنعرف الصواب، بدلًا من جدلنا واختصامنا؟ أئمة السنة يقولون: أن القرآن كتاب الله، منزل على رسوله، فهو كلام الرب، أما أئمة الإباضية يقولون: أن القرآن كتاب الله، منزل على رسوله، فهو مخلوق الرب، فكل شيء في الدنيا مخلوق والقرآن مخلوق من مخلوقات الله، فلا يرون أن لله كلمات ولسان مثل كلمات ولسان البشر حتى يقولون إنه كلام الله، وكل له أدلته الصحيحة من الكتاب والسنة، فكلاهما يؤمن بأنه من عند الله، فلماذا لا يستنظرون ليوم الآخرة حتى يعلموا بأنفسهم، هل الله يتكلم مثل البشر أما لا؟ الإباضية تأخذ بالبخاري ومسلم وباقي المساند الستة، كما تأخذ بمسند سابع وهو رئيس يعرف بمسند الربيع ابن حبيب وأغلبية حديثه موجود في الستة السنية، هل هذا ما ذكرته من اختلافات ثانوية يجعلنا نتناحر ونتنازع وننشئ لكل مذهب فرقة؟ يختلف الإباضي عن السني بأنه لا يرفع يده في تكبيرة الإحرام، لا يحرك يده في التشهد، أهذه الأمور تجعل الأمر يصل بنا لقتل وحرق بعضنا البعض كما حدث في غرداية حديثًا؟!

الإباضية تقول بجواز بل بوجوب الخروج على الإمام إن كان ظالمًا جائرًا، وعصيانه والتمرد عليه، كما أن الحكم لا يورث، ولا عصمة لسلطان ولا إمام، ولا وجوب الحكم والإمامة والخلافة في قريش، بل كل مسلم صالح من حقه تولية أمر المسلمين، أما أهل السنة والجماعة يقولون بوجوب إطاعة ولي الأمر، ظالم أو مظلوم، وعدم الحياد عنه أو الخروج عليه، أعذريني صديقتي في قول، بكل حزن وأسف، أن هذا ما أدى إلى تمادي الحكام العرب في ظلمهم طوال هذه العقود والقرون، وهذا ما نرى نتيجته اليوم من عدم تقبل واستجابة شباب العرب لهذا الأمر الجائر مما أدى لخروجهم عن طاعة حكامهم الطواغي ومشايخهم المنافقين، بل وصل الأمر إلى إلحاد الكثير من الشباب بسبب زعزعة ثقتهم في أئمتهم، كلاب السلطة، الذين ينافقون ويطبلون للحكام، بينما المذهب الإباضي هو المذهب الإسلامي الثائر بحق، فلم ينتشر كما يرجح معظم المؤرخين إلا لتمرده على الحكام وأخذه بالشورى ورفضه لتوريث الحكم، وإن تسيس هو الآخر في العقود الأخيرة.

أجبيني يا رواية بالله عليك، أاختلاف الأمور هذه بيننا تجعل بعض أصحاب اللحى الوهابية والسلفية تكفرنا وتستحل دماءنا؟

  • المشكلة الحقيقية تكمن في سياسة الضجيج والخلاف، منذ الأزل وحتى اليوم غالبية الدعاة، وهم من نصبوا أنفسهم حماة الدين، يزرعون بداخل النفوس مبدأ الأنا، أي أنا الوحيد المؤمن ساكن الجنة الخالد، أم الآخر فالنار مأواه، وهذا ما جعل جميع المسلمين في كل فريق يؤمن بأنه وحده من أهل الحق، فأبطل الجميع العقول وأجهضوا القلوب، فلا العقل يفكر في الكون ولا القلب يستشعر بالروح، وهذا ما يتوافق مع الطبيعة العربية التي تميل للكسل والخمول، ولكن هذا على عكس ما فعلته في رحلتي للإسلام، ألا تعلمين أول طريق أخذني للإسلام؟
  • كثيرًا ما خشيت طرح هذا عليك.
  • بلى الله الدنيا في الآونة الأخيرة بخناسين ماردين أحدهما يدعى بالأخ رشيد المغربي، والثانية الأخت أماني مصطفى، يزعمان بأنهما تنصرا، يقدمان برنامجًا دينيًا كنيسيًا على قناة الحياة المسيحية، لهم مئات الحلقات كلها تدور حول قذف النبي وأصحابه وتكذيب القرآن، مثلي مثل معظم من أسلم معي من الرفاق كنا نتابعه بشدة بنية تعلم كيفية الرد على المسلمين إذا تحاورنا معهم، ولكن مع الوقت وعدم قناعتنا بأقوالهما لما فيها من اضطراب واختلاج واختلاط وتضاد، مع بعض الفضول في معرفة الحقيقة ذاتها، أخذنا نقرأ عن الإسلام من مصادره ومن أقلام شهد لها بالاعتدال، فعرفنا طريق الحق فسلكناه، واكتشفنا الكذب والتدليس والتلفيق.