قبيل آذان الفجر وقبل ذهاب الروح للصلاة أخذت في نفسها زيارة السيتشيلانية, وبعيد أمتار قليلة من كوخها حيث أول المنحنى وجدت المكتبة حيث تقيم ما زالت شموعها منيرة, فاقتربت من الطاقة القماشية فأبصرتها عاكفة على مخطوط مترهل ويتناثر عشرات المخطوطات حولها, فأقدمت من الباب حتى دخلت عليها وأدركتها بالسؤال:-

  • لماذا منشغلة عنا أيتها السنيورتيا؟
  • عفوا روحنا الجليلة, أعتذر منك, ولكن أمامي مهمة شاقة ومتعبة ولن يهدئ قلبي ولا عقلي إلا بالوصول لما أبتغيه.
  • عن أي شيء تبحثين؟
  • إنه أمر حساس وخطير.
  • ألا من حقي أن أعرفه يا متجولة أرضه أم تجديني غير جديرة بالثقة؟

ترددت قليلًا حتى تجد كلمات افتتاحية للحديث عن الموضوع ثم أجابت بالإيطالية:-

  • بكل صراحة, أنا أبي فارس “أمالفيتانو” حفيد لسلالة التجار الذين أنشأوا ما يعرف اليوم بدولة فرسان مالطا في القرن الأول من الألفية الثانية, كان جدي الأكبر أحد التجار الذين انتقلوا من “أمالفي” الواقعة بإيطاليا حاليًا لبيت المقدس وقاموا بإنشاء مستشفى ( أو إسبتارية كما تنطق في اللغة اللاتينية) لخدمة الحجيج ملحقة بكنيسة القديس يوحنا المعمدان, وكان يشرف عليها الرهبان والتجار أنذاك والذين عرفوا بالإسبتارية, ومن بعدها تلقبوا بفرسان مستشفى القديس يوحنا الأورشليمي, ومع بداية الحملات الصليبة وكرههم الشديد لكل ما هو إسلامي ومع تعطشهم لدماء المسلمين بدأت المستشفى تأخذ وضع النظام العسكري وبدأت الأمور تتطور شيئا فشيئا إلى أن استطاعوا أن يحصلوا على إعتراف بالاستقلال والسيادة من البابا بسكال الثاني, والذي ساعدهم على تنفيذ قيام دولة مستقلة ذات سيادة هم الجماعة الإسماعلية النزارية أو التي كانت تعرف وقتها بالحشاشين, وكانت لها جبهة بحلب تحت إمارة المعلم وشيخ الجبل آنذاك سنان رشيد الدين, حيث قدموا لهم الأسلحة والأدوات والمواد الكيميائية حتى أنهم حاولوا قتل صلاح الدين الأيوبي إلا أنهم فشلوا, ومع هزيمة الجيوش الصليبية هربوا الفرسان لجزيرة قبرص ثم لجزيرة روديس التابعة لليونان حاليًا, وأقاموا دولة مستقلة اعتمدت على قرصنة السفن الإسلامية في البحر واختاروا روديس عن غيرها من الجزر والمدن الأوربيية المسيحية خوفًا من يقعوا تحت طائلة الملكيات الأوربية كما حدث مع فرسان الهيكل من قِبل الملكية الفرنسية, ولم يستطع القائد محمد الفاتح بعد أن فتح القسطنيطينة أن يهزمهم في روديس, وظلوا صامدين ولم ينهزموا إلا في عهد سليمان الثاني بعد حصار دام لستة شهور, ثم تركهم يفرون أحياء إعترافًا منه بشجاعتهم وقوتهم في التحمل, فتوجهوا لمالطا واحتلوها وتسموا “بالنظام العسكري لدولة مالطا” إلا أنه مع التغييرات التاريخية التي أصابت أوروبا تفرق وتشتت أعضائها, وعلى الرغم من ذلك ظلوا محتفظين بالاسم والكيان حتى عادوا مرة أخرى عام 1834م وأنشأوا دولة بدون أرض أو بشر بدولة الفاتيكان الواقعتان بإيطاليا, ومقرها حاليًا بقصر مالطا Palazzo malta بشارع Condotti وحصلوا على إعتراف كدولة مستقلة ذات سيادة وتمثيل بالأمم المتحدة طبقًا للقانون الدولي واستطاعوا بقدرتهم المالية والسياسية الانتشار والتمثيل الدبلوماسي في أكثر من مائة دولة تحت غطاء العمل الخيري والمستشفيات, ومنها ثماني دول عربية وكانت أول سفارة لهم في مصر عام 1980م, ولهم الحق في إصدار أعداد غير محدودة من جوزات السفر ولوحات الترخيص للسيارات تحت مسمى الدبلوماسية.   

وفي الحقيقة, يا روح القلوب, أنا أجبرت على العمل معهم تحت غطاء التطوع بناء على أوامر أبي لأنه أحد فوراسها لليوم, فأخترت اللجنة الثقافية, ولهذا أنا على علم بخطتهم الثقافية المنتشرة والمطبقة حاليًا في جميع أنحاء العالم من أجل تخريب وسرقة أي مخطوطات قديمة تشير إليهم أو لأفعالهم في محاولة لتبيض تاريخهم الدموي والعنصري, واللجنة الثقافية السرية الدولية تضم أكثر من سبعين كاتب وصحفي من جميع دول العالم يتقاضون شهريًا مبلغ ثلاثة آلاف دولار مقابل عملهم على محو كل ذكرى سوداء لهم ولحلفائهم من صفحات التاريخ, ولهذا أنا أحاول يا روحنا أن أجد كل ما يخصهم في هذا المكتبات لحفظها بعيدًا عن أيديهم لأن مكتبات شنقيط لم تكن مذكورة ولا معروفة لهم في فترة وجودي معهم. 

 تعجبها ودهشتها لغرابة وخطورة الأمر أخرسها فلم تبوح الروح إلا بـ:-

  • وهل عثرتي على شيء؟
  • ليس بعد يا روحنا.
  • حينما تصلين لأي شيء يتعلق بهذا الأمر أطلعيني عليه, أرجوك.
  • بكل تأكيد يا روحنا, ولكن هل لي أن أعتذر عن حضور المجلس حتى أنهي هذه المهمة؟
  • لك ما أرادت, فلا أمر ولا شأن لك إلا بهذه المسألة حتى تفرغين منها.

ثم ولت الروح للخارج حتى وصلت للساحة فصلت بمتجولاتها ثم عقدت جلستهن التي بدأتها بـقولها:-  

  • عزيزاتي متجولات أرضه, راغبات جنته, طامعات كرمه, لقد جعل الله الإنسان حينما خلقه أفضل وأهم وأميز ما في الأرض, وجعل أهم ما فيه القلب, وجعل أهم ما في القلب روحه وروح الشيء معناه ومغزاه الحقيقي, فأسلموا قلوبكم وأرواحها لله, فإن كان الإيمان نواة القلب, فالتعقل والتفهم والتفقه روحه, ولهذا جمع شيخنا وأوفى أحوال القلب في ثلاث؛

“تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال, ولا يُخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق, فكما لا يحب العمل المشترك لا يحب القلب المشترك”

فهنئيًا لمن كانت روح قلبه سالمة من كل هوى, متشوقة لمن خلقها, محبة له لا شريك معه.

وفي ختام الحلقة سألت عن المتغيبات فأخبروها بتلك المستجدة مجهولة الهوية, فأوصتهم بالتعارف بها ومؤانستها وحسن ضيافتها وتبليغها بالحضور إلا إن كانت مريضة أو لها عذرها, ولما علمت أنها ترفض حتى الصلاة معهن تعجبت لأمرها, فقالت:-

  • دلوني على زاويتها.

فلما وصلت زاويتها أطرقت الباب, فأذن لها بالدخول, فارتعدت تلك الأجنبية حديثة القدوم عند رؤيتها, فللروح جلالتها في النفوس, فسلمت عليها بوجه بشوش يبعث على الاطمئنان والسكينة مرحبة بها:- 

  • يا أهلا بك يا عابدة إياه.

فلم تجب بشيء فواصلت الروح:-

  • علمت أنك قدمت حديثًا ولا تخرجين مع إخوتك فأتيت لأزورك وأخدمك إن كنت في حاجة يا متجولة أرضه.

فأجابت هذه المرة شاكرة بلهجة مألوفة لها:-

  • شكرًا يا شيخة.
  • شيخة!, إذن أمصرية أنتِ؟!

فلاحظت أوصالها ترتعد وأحمر وجهها خوفًا فأدركتها سريعا:-

  • ما بك يا أماه, لا تخافين من شيء مهما كنت من أين, فهنا أنت في مأمن.

فأجابت السيدة بحروف مرتعشة مهزوزة:-  

  • أنا مصرية بالفعل ولكني ….

ترددت قليلًا ثم أردفت:-

  • في الحقيقة أنا مسيحية وهاربة من مصر.
  • ومن أي شيء تهربين؟
  • أنا صحفية معارضة, وهاربة من قضية سياسية.
  • لا عليك يا عابدة إياه, فلا تخافي ولا ترتعدي هكذا, فلا وجود للخوف إلا في بلادنا التي أرضعتنا الخوف صغارًا, نخاف من كل شيء ولأي شيء, نخاف من الخوض في أحاديث السياسة أو الدين أو الروح أو الحب أو الجنس أو العلم, ولا نعلم لماذا لا يجتزرون ألسنتنا من جذورها عند الولادة أسهل لنا ولهم, في كل الأحوال يا أمي أنت هنا في أرض الله فلا تخافين من شيء.
  • ولكنني مسيحية وما أرى إلا مسلمات, وصديق رشح لي شنقيط قائلًا إنها المدينة التي لا يجور فيها أحد على أحد.
  • وماذا يعني أنك مسيحية؟! ألست بإنسانة؟! ألست من البشر؟! ألست من آدم وحواء؟! لا تخافي هنا الكل يعبد الله فقط, سوف أخبرهم بعدم إزعاجك أو مضايقتك.
  • صدقيني أنا لست بسيئة ولا………..
  • ما طلبت منك قسم ولا تبرير, النفوس لرب النفوس يا أماه, لا دخل لي ولا أحد هنا في أمرك, أنت وشأنك, فأنت لست في مصر.

اطمأنت كثيرًا للروح التي تبعث كلماتها راحة واطمئنانًا في النفوس وتوحي ملامحها بالأمل والنور فقالت:-  

  • في الحقيقة أنا أكذب عليك, فلست صحفية ولا هاربة يا روح القلوب أو لو تسمحين لي أن أدعوك بمريم, اسمك الحقيقي.

ثم تبسمت في وجهها وأطلقت باتجاهها نظرة حنونة وتابعت:-

  • دوما كنت أسمع عنك وعن جمالك وطيبتك ونقاءك من رواية وقصة وحبهن لك ولم أكن أتخيل أنك تفوقين وصفهن هكذا.

 فارتعدت الروح خوفًا هذه المرة وأحست ببعض من القلق فاستدركت أم إسحاق سريعًا:-   

لا تقلقي يا بنيتي ولا تخافي, أنا نيلوس أم رواية, ولقد رشح لي الصاقر وعلا أن أنضم لك في هذا المكان لكي أستجمع فيه قواي التي نخرت بعد كل هذه الأحداث المؤلمة.